مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

لا تفهمونا غلط 

طارق الدسوقي.. المقاتل في معركة الوعي بسلاح الفن والكلمة


 

تابعت ردود الأفعال مع أول ظهور للصديق العزيز الفنان الكبير طارق الدسوقي .. لاحظت أن حين يتحدث الجمهور عن وقار الشاشة، وهيبة الحضور، ورقي الكلمة، يبرز اسم الصديق العزيز الفنان القدير الكبير طارق الدسوقي، كواحد من القلائل الذين تعاملوا مع الفن كرسالة مقدسة لا تقبل المساومة أو التنازل، ومن هنا تأتي أهمية الاحتفاء بعودته الدرامية في عام ٢٠٢٦ من خلال مسلسل علي كلاي، فعودة هذا الفنان المثقف ليست مجرد إضافة لجدول المسلسلات الرمضانية أو الاجتماعية، بل هي استعادة لروح الدراما المصرية الأصيلة التي تفتقد لنموذج الفنان الملتزم، الذي يدرك جيداً معنى القوة الناعمة وتأثيرها في بناء الوجدان الشعبي، التأثير على وعي الشباب بشكل سلبي أو تشويهه أو تعطيله عن التفكير السليم، ، وصياغة مفاهيم الانتماء والولاء للوطن، ولعل غيابه الطويل الذي امتد لنحو أربعة عشر عاماً منذ عام ٢٠١١ لم يكن غياباً سلبياً أو انسحاباً من المشهد، بل كان فترة امتازت بنشاط وطني وتوعوي مكثف، حيث آثر الصديق العزيز الفنان القدير الكبير طارق الدسوقي أن يمارس دوره كفنان مثقف ومهموم بقضايا بلده بعيداً عن بلاتوهات التصوير، فكان شريكاً أساسياً ورائداً في كل ما يخص التنمية البشرية والتوعية وبناء العقل والإنسان المصري، من خلال مشاركاته الدؤوبة في الندوات والفعاليات الرسمية والجامعية التي تستهدف تقوية الوعي القومي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء لدى الأجيال الجديدة، فكان صوتاً مسموعاً في معهد إعداد القادة، وفي كافة محافظات مصر، محاوراً للشباب ومنبهاً لخطورة التحديات التي تواجه الهوية الثقافية، مما جعل اسمه مرادفاً للفنان الذي يضع مسؤوليته تجاه بناء المجتمع فوق بريق الشهرة المؤقتة، وهذا الغياب الدرامي كان في حقيقته موقفاً أخلاقياً صارماً ضد موجة من الأعمال التي رأى أنها لا تشبه البيت المصري، ولا تعبر عن هويتنا وعاداتنا وتقاليدنا العريقة، فالصديق العزيز الفنان القدير الكبير طارق الدسوقي الذي جسد البطولة في أكثر من ثمانين مسلسلاً تاريخياً ودينياً واجتماعياً، لم يجد نفسه في مناخ درامي سيطرت عليه في فترة ما صور البلطجة والعنف والمشاهد المبتذلة التي تروج للمخدرات أو الخارجين عن القانون تحت شعار نقل الواقع، وهو شعار يرفضه الدسوقي جملة وتفصيلاً، لأنه يؤمن بأن الفن يجب أن يكون قاطرة للارتقاء بالذوق العام وليس مجرد مرآة تعكس القبح والتشوهات الاجتماعية، ومن هذا المنطلق حافظ الدسوقي على معاييره الصارمة في اختيار الأدوار، مفضلاً الابتعاد والتركيز على دوره الثقافي كأستاذ جامعي ومحاضر ومستشار لمؤسسات تعليمية، على أن يشارك في عمل يخدش حياء الأسرة أو يقلل من قيمة الفنان كقدوة ومثل أعلى، وخلال سنوات الغياب كان الدسوقي حاضراً بروحه وفكره في كل المحافل الوطنية والحوارات المجتمعية، بما في ذلك جلسات الحوار الوطني، مؤكداً أن الدراما هي أخطر الوسائل التي تبني الإنسان وتغرس فيه معاني الأرض والعرض والسيادة، وحين قرر العودة في مسلسل علي كلاي لم يأتِ لمجرد التواجد، بل جاء ليقدم شخصية منصور الجوهري برؤية فنية ناضجة تتناسب مع تاريخه الطويل ومرحلته العمرية الحالية، حيث اختار أن يظهر بشكل كلاسيكي وقور يجمع بين قوة الشخصية ولغز التركيبة النفسية التي ستحير المشاهد بين كونه شريراً أم طيباً، وهذا هو ذكاء الفنان الذي يعرف كيف يعود ليحتل الصدارة دون صخب فج بل بالاعتماد على الموهبة المتراكمة والخبرة الواسعة، ويحسب للنجم أحمد العوضي والمخرج محمد عبد السلام تمسكهما بوجود قامة بحجم الصديق العزيز الفنان القدير الكبير طارق الدسوقي في هذا العمل، خاصة وأن العوضي عبر بصدق عن حب جيله لهذا الفنان الذي كان سبباً في عشق الكثيرين للتمثيل، ومن خلال تجربة علي كلاي يثبت الدسوقي أن الفنان الملتزم يمكنه أن يتواجد في الدراما الشعبية ويحقق النجاح الجماهيري العريض دون أن يتنازل عن وقاره أو ينجرف خلف الابتذال، فالعمل يتناول قضايا إنسانية عميقة مثل الأيتام وتجارة الأعضاء بأسلوب يحترم عقل المشاهد ويقدم رسالة توعوية مغلفة بالدراما المشوقة، إن الحديث عن الصديق العزيز الفنان القدير الكبير طارق الدسوقي هو حديث عن جيل تربى على احترام المهنة، وهو الفنان الذي يجيد التحدث باللغة العربية الفصحى بقدر إجادته لتجسيد الشخصية المصرية البسيطة، وهو الذي ينادي دائماً بضرورة عودة الدراما التاريخية والدينية لتعريف الأجيال الجديدة برموزهم وقادتهم وقضاتهم العظام الذين شكلوا تاريخ مصر المشرف، ولعل حلمه بتجسيد شخصية البطل الشهيد إبراهيم الرفاعي يعكس جوهر شخصيته الوطنية التي تضع أبطال القوات المسلحة في المكانة التي يستحقونها، وفي زمن السوشيال ميديا الذي قد يخدع البعض بحملات وهمية، يبقى الصديق العزيز الفنان القدير الكبير طارق الدسوقي نموذجاً للفنان الذي يراهن على حب الناس الحقيقي المبني على الاحترام المتبادل، فهو لا يمتلك حسابات على مواقع التواصل ولا يهتم بالبروباجندا الزائفة، بل يهتم بما يتركه من أثر في نفوس الطلاب الذين التقى بهم في جميع محافظات مصر، وفي المشاهد الذي ينتظر منه دائماً العمل القيمي الرصين، إن عودة منصور الجوهري إلى الشاشة هي دعوة لكل صناع الدراما لإعادة النظر في معايير الجودة والالتزام والتركيز على الأعمال التي تبني ولا تهدم وتجمع شمل الأسرة أمام الشاشة في أمان واطمئنان، فالفن هو السلاح الأقوى في معركة الوعي، والصديق العزيز الفنان القدير الكبير طارق الدسوقي هو واحد من أمهر المقاتلين في هذه المعركة بسلاحه الذي لم يصدأ أبداً، وهو الفن الملتزم والرؤية الوطنية الثاقبة التي تضع مصلحة المجتمع فوق أي اعتبار مادي أو شهرة مؤقتة، فتحية تقدير لهذا الفنان الكبير الذي لم تغيره السنين ولم تكسر إرادته مغريات السوق، وبقي صامداً على مبادئه حتى عاد عزيزاً مكرماً لجمهوره الذي اشتاق لرؤية الفن في أسمى صوره.
مصطفى البلك 
[email protected]